الاثنين، 24 نوفمبر 2008

سؤال..لماذا أنا مسلم ولست نصرانيا؟؟

إن البحث عن الحقيقة يتطلب موضوعية وعدلا وإخلاصا، خاصة إذا كان هذا البحث فى أمر الدين، لأنه طوق النجاة عند جميع المتدينين على اختلاف أديانهم، ولذلك يجب على المتناظرين والباحثين فى أمر الدين أن يؤصلوا هذا الأمر قبل الخوض فى البحث ، وأنا فى هذه الصفحات أعبر عما فكرت فيه كثيرا مع نفسى ، فأحيانا أفكر كيف أرد على نصرانى إذا دعانى إلى دينه ؟ ، وكيف أرد عليه إن طعن فى دينى وبهدوء وجدت نفسى أرتب المسألة على النحو التالى

أولا:ما الذى يدهشنى ويثير إعجابى فى النصرانية ولم أجده فى الإسلام حتى أدع دينى وأدخل فى النصرانية؟!!

ثانيا:ما الذى يصعب على فهمه فى الإسلام ،أو لا يروقنى أو ينافى عقلى حتى أترك هذا الدين؟!!

ثالثا: لقد قرأت العهدين الجديد والقديم ووجدت فيهما أمورا صدمت فطرتى وعقلى ووجدتنى أشمئز منها وأخجل من قراءتها فضلا عن الإيمان بها

رابعا: إننا بالفعل كمسلمين نؤمن بكل الأنبياء والرسل ، وهذا أحد أركان الإسلام الذى لا يصح إلا به ، وبالتالى فأنا أؤمن بعيسى بن مريم نبيا ورسولا كريما كبقية الأنبياء والرسل وأؤمن بالإنجيل الذى أنزله الله على عيسى ، وإن كنت أؤمن أيضا أن هذا الإنجيل قد حرف كما أخبرنا القرآن الكريم، فما الذى يدعونى إلى الإيمان بأن عيسى إله أو أنه ابن الله فى الوقت الذى أجد إيمانى به كرسول ونبى أقرب إلى العقل والفطرة السليمة، ويبقى الدور على النصارى الذين لا يؤمنون بنبينا محمد أصلا مع أن معجزاته صلى الله عليه وسلم ظاهرة كما يأتى بيانه إن شاء الله .

خامسا: تأملت حياة النبى محمد صلى الله عليه وسلم فى ما توافر لدى من مراجع فأيقنت أنه لا طاقة لبشر واحد مهما أوتى من قوة وعلم على أن يبنى دولة على هذه الأسس من العدل والصلاح وأن يشرع هذه القوانين التى لم تترك صغيرا أو كبيرا من أمور المجتمع إلا وسنت فيه قانونا عظيما، فى العقيدة والمعاملات والأخلاق والعبادات والسياسة والحرب والمعاهدات والاقتصاد وغير ذلك ، محال أن يستطيع رجل واحد فى ثلاث وعشرين سنة أن يبنى دولة ويضع دستورها ويفصل قوانينها بحيث لا يند عنه أمر أو تغيب عنه غائبة ، ولو أوكلنا اليوم إلى رجل أن يضع وحده دستورا لدولة لأعجزه ذلك ،فكيف لو كلفناه أن يضع القوانين التفصيلية لكل مجال من مجالات المجتمع وحده بالإضافة إلى تكليفه بأن يقوم فعليا بالجهاد فى سبيل هذه الدولة حتى يقيمها بل ويدعو من خالفه وعاداه حتى يقتنع بما هو عليه ، وهو مع كل ذلك يموت فقيرا ، وكان بوسعه أن يكون ملكا على رعيته يتقلب فى الذهب والفضة ، أقول ليس هذا فى وسع بشر إلا أن يكون هذا البشر نبيا من أنبياء الله مؤيدا من ربه.

أعود للسؤال الأول فأقول لم أر فى العهدين القديم والحديث تشريعات لكثير من مجالات الحياة ، وإن وجد فهو مجمل ليس فيه تفصيل ،فهل يصح أن يكون ذلك منهجا للحياة؟

ودينا يتحاكم إليه الناس فى كل صغير وكبير ؟

، وعلى النقيض من ذلك يندهش الإنسان من شمول الأحاديث النبوية لكل أركان الحياة ، حتى لقد تكلم النبى فى أدق التفاصيل فى شتى المجالات ( حق الزوج على زوجته والعكس، تربية الأولاد،معاشرة الزوجة، تسمية الأولاد،حق الجار، طاعة الوالدين، المواريث، صلة الارحام، التعاون على البر ، تحريم الخمر والميتة والربا والزنا والقذف والسرقة والغش والرشوة وتحريم الظلم وحكم اللقيطة وتنظيم الزكاة والإحسان إلى الفقراء والنهى عن الغيبة والنميمة وشهادة الزور وتنظيم أمور الزواج والطلاق والعدة والرضاعة وقانون العقوبات التى هى الحدود إلى أمور يطول ذكرها…………………محال أن يكون هذا من صنع رجل واحد لا يحسن القراءة والكتابة إلا أن يكون نبيا مؤيدا من ربه.

وأعود إلى السؤال الثانى لأقول: ليس فى الإسلام ما ينافى عقلى أو يصدم فطرتى ، فدين يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذى القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى ، يدعو إلى مكارم الأخلاق وينهى عن أراذلها ، دين يخبرنا أن الله واحد أحد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد لهو دين سهل بسيط ليس فيه تعقيد أو فلسفة ، وهو دين لم يكذب أحدا من رسل الله السابقين ، بل جاء مصدقا لهم محترما لمنزلتهم مخبرا بسيرتهم ، داعيا للإيمان باليوم الآخر والجنة والنار ، أهل الصلاح والعدل فى الجنة وأهل الفسق والظلم فى النار ، هل يكون هذا الدين من صنع البشر ، وأى بشر ؟!! رجل أمى لا يقرأ ولا يكتب؟ أترك الإجابة لمن يعمل عقله.

وأعود إلى السؤال الثالث : وهو ما فى العهدين القديم والجديد من أمور لا يقبلها عقل ولا فطرة سليمة: لقد ذكر العهد القديم أن الله خلق السموات والأرض فى ستة أيام ثم استراح فى اليوم السابع!!!!!!!!!!!! سبحان الله!! الخالق يتعب ويكل وينام فأى إله هذا الذى يحتاج إلى النوم والراحة وماذا ترك للمخلوقين بل أى فرق بين الخالق والمخلوق عندئذ؟!!

وقد ذكر العهد القديم أن الله صارع نبى الله يعقوب وأن يعقوب تغلب على الله وصرعه !!!!!!!! لو لم يكن فى معتقد اليهود أو النصارى إلا هذه الفضيحة لكفت فى الدلالة على بطلان هذا الدين .

وذكروا أيضا أن لوطا شرب الخمر وزنى بابنتيه !!! فهل هذه قيمة الأنبياء عندهم ،إن كثيرا من البشر العاديين يتأففون من مجرد سماع هذه الجرائم من الشخص العادى ، فكيف بنسبتها إلى نبى!!!

وذكروا أن الله بكى وندم على بعض تصرفاته.

وذكروا أن الله صلب على خشبة ومات موتا حقيقيا ومع ذلك كان هو الذى يدبر أمر الكون أثناء فترة موته.

وذكروا أن الله هو المسيح وأن المسيح هو ابن الله وأن كليهما إله فى شخص واحد وأن هذا الإله ضحى بابنه لكى يغفر للناس جريمة لم يرتكبوها بل وقع فيها آدم ولكنهم ورثوها عنه .

لقد اعترف بعض الباحثين النصارى بأن عقيدة التثليث هذه عصية على الفهم ولا سبيل إلى القناعة بها ، فكيف يراد بالإنسان العادى أن يؤمن بها إيمانا جازما لا مراء فيه ؟!!

أمر آخر فى هذه العجالة: لم تظهر لنا فى الوجود دولة تدين بالنصرانية وتطبقه فى واقع الحياة بحيث تكون مبادئ الكتاب المقدس وأحكامه هى الحاكمة على الناس ، وهذا ما يؤكد ماذكرته من قبل من أن الكتاب المقدس ليس منهجا للحياة ولا يصلح لذلك لأنه لم يستوف كثيرا من مجالات الحياة، على عكس الإسلام فقد قامت الدولة الإسلامية على عهد نبي الله وظلت تتسع ويدخل الناس فى دين الله أفواجا وظلت على هذا قرونا عديدة لم يعرف المسلمون فيها شرعا وقانونا غير قانون الإسلام الشامل الذى طبقوه فى شتى مناحى الحياة وتركوا لنا حضارة لا ينكر فضلها إلا مجادل حقود، وهذا هو المحك الحقيقى لصدق الديانة أو بطلانها .

وأطرح هنا تساؤلا آخر: وهو ماذا يقول النصارى فى المعجزات التى جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتى انتشر ذكرها فى كتب التاريخ والسير ولاشِك أنهم يعرفون بعضها ويقرون به؟!!!

إليك معجزة القرآن الكريم الخالدة والتى تحدى بها ربنا جميع الإنس والجن أن يأتوا بمثلها ، أن يأتوا بعشر سور بل أن يأتوا بسورة واحدة فى بلاغة القرآن وإحكامه ، فعجز العرب وهم أفصح الناس فى اللغة وآدابها ولم يذكر أن شاعرا واحدا أو خطيبا مفوها حاول مجرد المحاولة أن يبارى القرآن لعلمه أن ذلك ليس من كلام البشر ، ولقد اعترف بعض زعماء العرب المشركين بذلك ، وهو الوليد بن المغيرة وغيره ، وعلى كل حال فإن التحدى ما زال قائما فهل من متحد يبين لنا عبقريته؟!!!

إن إعجاز القرآن الكريم ليس فقط فى بلاغته ، بل البلاغة أحد أوجه الإعجاز ، لكن هناك الإعجاز العلمى فى القرآن الكريم والذى شهد به بعض علماء الغرب الذين ما زالوا على دينهم ولكن دفعتهم الموضوعية وشهادة الحق للاعتراف بذلك ، لقد أثبت القرآن حقائق علمية منذ أربعة عشر قرنا لم يتوصل إليها العلماء إلا فى العقود الأخيرة من القرن العشرين

خذ على سبيل المثال فوائد عسل النحل والحبة السوداء من أى معمل أم من أى كتاب أتى رسول الله بهذه الحقيقة العلمية

بل من أين عرف رسول الله أن أحد جناحى الذبابة فيه شفاء وفى الأخرى داء

وكيف عرف النبى متى يأتى المولود ذكرا ومتى يأتى أنثى ،

ومن أعلمه بقصة أصحاب الكهف وقصة ذى القرنين وقصص سائر الأنبياء , ولم تكن معروفة إلا عند أحبار أهل الكتاب

وكيف أخبر النبى بالمغيبات التى حدثت بعد موته كما أخبر تماما وما زالت

وكيف أخبر بحقيقة أن الأرض والسماء كانا جسما واحدا ثم انفصلا كما أخبرنا القرآن الكريم ، وهذا لم يعرف إلا فى الآونة الأخيرة ، فإذا أضفت إلى ذلك ما أيد به ربنا نبيه صلى الله عليه وسلم من معجزات مثل انشقاق القمر وتسبيح الحصى فى يديه وإخبار الشاة المسمومة له بأنها مسمومة ورحلة الإسراء والمعراج التى كانت عجبا حيث أمضاها فى ليلة وكان العرب يقطعونها فى ثلاثة أشهر وإخباره بأن الروم سوف يغلبون الفرس فى بضع سنين ، وقد حدث ذلك بالفعل وتنبؤه بأن الله سوف يفتح للمسلمين بلاد فارس والروم واليمن ، وكل ذلك تم كما أخبر النبى الكريم، فهذا غيض من فيض من معجزات النبى مما يدل بلا شك على نبوته ورسالته ، فلا أدرى ما الذى يأخذه غير المسلمين على الرسول الكريم ؟ ،

وما الذى يدعوهم إلى تكذيبه أو بغضه؟

فإذا قال النصرانى لى إن عيسى عنده من المعجزات مثل ذلك أو يزيد ، قلنا له نحن نصدق بمعجزات عيسى ، وهذه المعجزات دليل على نبوته ورسالته كما كانت دليلا على نبوة محمد ورسالته فيظل السؤال موجها إليكم ما الذى يدعوكم لعدم الإيمان بالإسلام.

ثمة أمر آخر

وهو إذا لم يكن النبى محمد رسولا من عند الله فماذا كان؟

وماذا أراد بدعوته تلك؟

هل أراد المال ؟

أم السلطان ؟

إذ لابد له من غاية لدعوته تلك ، يشهد التاريخ أن محمدا صلى الله عليه وسلم مات فقيرا وقد رهن درعه عند يهودى ، ويشهد التاريخ أن محمدا كان يمر عليه الشهر والشهران ولا يوقد فى بيته نار ، ما كان يأكل إلا التمر والماء ، وكان يجالس الفقراء ويأكل معهم وكان زاهدا فى حياته لم يبن قصرا ولم يترك ميراثا ، بل إنه قال " نحن معشر الأنبياء لا نورث ، ما تركناه صدقة" حتى لا يقول قائل إن محمدا أراد أن يترك ثروة لأبنائه. لم يبق إلا أن يقال إنه كان حكيما أو مصلحا كما يطيب لبعض علماء النصرانية قوله عندما يريدون أن ينصفوا النبى من أنفسهم ظنا منهم أن ذلك هو العدل فى شأن النبى محمد لكن يظل هناك سؤال منطقى ، هل المصلح الحكيم يكذب ويبنى حياته كلها على أكاذيب من أنه نبى مرسل من ربه وأن كتابه( القرآن ) من عند الله وأن من لم يؤمن به نبيا ورسولا فهو فى النار ؟!!!!!!!! يكفى المصلح أن يقول إنه مصلح وأنه يريد الخير للناس ، ولابد له ن الصدق لضمان مصداقيته عند الناس.

وأقول : لو كان القرآن هو كلام محمد وليس من عند الله - كما يقول المكذبون- فلا يزال التحدى قائما ، كيف استطاع محمد ـ وهو ليس بنبى كما يدعون ـ أن يأتى بهذا القرآن المعجز فى بيانه وبلاغته وإعجازه العلمى وغيره ؟!!! لاسيما وهو أمى لا يقرأ ولا يكتب ، ولم يعرف عنه قول الشعر أصلا ، ثم لما ذا لم يرد عليه العرب بأن يأتوا بسورة من هذا القرآن ما دام أنه من كلام البشر ؟ الظاهر أن العرب المشركين كانوا أكثر موضوعية وصدقا مع أنفسهم من نصارى اليوم وغيرهم ممن يغالطون أنفسهم ، بل إن نصارى الماضى كانوا أكثر عدلا وإنصافا من أحفادهم اليوم ، فإنهم قديما لم يتهموا القرآن أبدا بالخطأ فى قواعد اللغة العربية لعلمهم أن ذلك هراء ، لكننا اليوم نجد من ينسب الخطأ إلى القرآن وهو من أجهل الناس بلغة العرب ، وما دفعه إلى ذلك إلا التعصب الأعمى البغيض ، بل إن كثيرا من الشبه التى يلقى بها النصارى اليوم لم يفكر فيها أسلافهم لعلمهم أنها باطلة لا تستحق المناقشة.

الله محبة ..رؤية فلسفية

ماأكثر المعترضون على فكرة البعث والحساب التى أتى بها الإسلام والتى تعتبر من أهم أركان العقيدة الإسلامية والتى توضح بجلاء مفهوم العدل الإلهى , وإلا كيف يتحقق هذا العدل المطلق بدون بعث وحساب؟

أو مالذى يمنع كل منا أن يعيش فى هذه الدنيا بطولها وعرضها وقد تنعم فيها من تنعم وشقى فيها من شقى وفى النهاية يتساوى الجميع بالموت ؟

ويتساوى فى إنكار البعث والحساب الملحدون ومتبعوا الديانات المحرفة كل على طريقته الخاصة , فالملحد ينكر الفكرة من أساسها ليسهل على نفسه إرتكاب كل الموبقات ويطمئن نفسه بأن مصيره للتراب ولا حياة أخرى ولابعث وهؤلاء التعساء من المسلمين قد شقوا على انفسهم ببعدهم عن التنعم بنعم ومباهج الحياة متوهمين بأنهم سيبعثون , هذا الفكر كما سبق وذكرنا هو كالمخدر الذى يأخذه صاحبه حتى لا يشعر بالألم وهم بذلك يخدرون عقولهم حتى لا تستيقظ وتدرك هذا الوهم الكبير الذى سيطر على عقولهم . .

وللخوض فى هذه الفكرة بتعمق لا نجد أفضل من الأستاذ الدكتور مصطفى محمود ليحدثنا عن رأيه الفلسفى والمنطقى للبعث والحساب فى كتابه الشيق ((لماذا العذاب)) حينما يقول

المثقفون لهم اعتراض تقليدي على مسألة البعث و العقاب , فهم يقولون : كيف يعذبنا الله و الله محبة ؟

و ينسى الواحد منهم أنه قد يحب ابنه كل الحب و مع ذلك يعاقبه بالضرب و الحرمان من المصروف و التأديب و التعنيف .. و كلما ازداد حبه لابنه كلما ازداد اهتمامه بتأديبه .. و لو أنه تهاون في تربيته لاتّهمه الناس في حبه لابنه و لقالوا عنه إنه أب مهمل لا يرعى أبناءه الرعاية الكافية .. فما بال الرب و هو المربي الأعظم .. و كلمة الرب مشتقة من التربية

و الواقع أن عبارة ((الله محبة)) عبارة فضفاضة يسيء الكثيرون فهمها و يحملونها معنى مطلقاً .. و يتصورون أن الله محبة على الإطلاق .. و هذا غير صحيح

فهل الله يحب الظلم مثلاً ؟

مستحيل .. مستحيل أن يحب الله الظلم و الظالمين .. و أن يستوي في نظره ظالم و مظلوم .. و هذا التصور للقوة الإلهية .. هو فوضى فكرية .. ويلزم فعلاً أن يكون لله العلو المطلق على كل الظالمين , و أن يكون جباراً مطلقاً يملك الجبروت على كل الجبارين .. و أن يكون متكبراً على المتكبرين مذلاً للمذلين قوياً على جميع الأقوياء .. و أن يكون الحكم العدل الذي يضع كل إنسان في رتبته و مقامه

و بمقتضى ما نرى حولنا من انضباط القوانين في المادة و الفضاء و السماوات يكون استنتاجنا للعدل الإلهي استنتاجاً سليماً يعطي الصفة لموصوفها .. و كل البينات تحت أيدينا تقوم لتؤكد صفة العدل الإلهي و النظام و الحكمة و التدبير

و الذين ينكرون النظام و العدل هم الذين يحتاجون إلى إقامة البرهان و إلى تقديم الدليل على إنكارهم .. و ليس الذين يؤمنون بالنظام

أما الذين ينكرون العذاب على إطلاقه و ينكرون أن الإنسان مربوب تعلو عليه قوة أعلى نته و قوانين أعلى منه ندعوهم إلى نظرة في أحوال عالمهم الأرضي .. نظرة في الدنيا دون حاجة إلى افتراض آخره

و لا أحد لم يجرب ألم الضرس الذي يخرق الدماغ و يشق الرأس كالمنشار . و المغص الكلوي و الصداع الشقي و ألم الغضروف و سل العظام و هي ألوان من الجحيم يعرفها من ألقى به سوء حظه إلى تجربتها . و زيارة لعنبر المحروقين في القصر العيني سوف تقنع المشاهد بأن هناك فارقاً كبيراً بين رجل محروق مشوه يصرخ في الضمادات , و بين حال رجل يرشف فنجان شاي في استرخاء و لذة على شاطئ النيل و إلى جواره حسناء تلاطفه

إن العذاب حقيقة ملموسة

و الإنسان مربوب بقوة أعلى منه و هو عديم الحيلة في قبضة تلك القوة . و يستوي الأمر أن يسمي المؤمن هذه القوة .. ((الله)) و أن يسميها الملحد ((الطبيعة)) أو ((القوانين الطبيعية)) أو ((قانون القوانين)) فما هذه إلا سفسطة لفظية .. المهم أنه لم يجد بدّاً من الاعتراف بأن هناك قوة تعلو على الإنسان و على الحوادث .. و أن هذه القوة تعذب و تنكل

و أصحاب المشاعر الرقيقة الذين يتأففون من تصور الله جباراً معذباً علينا أن نذكرهم بما كان يفعله الخليفة التركي حينما يصدر حكم الإعدام بالخازوق على أعدائه .. و ما كان يفعله الجلاد المنوط به تنفيذ الحكم حينما كان يلقى بالضحية على بطنه ثم يدخل في الشرج خازوقاً ذا رأس حديدية مدببة يظل يدق ببطء حتى تتهتك جميع الأحشاء و يخرج الخازوق من الرقبة .. و كيف أنه كان من واجب الجلاد أن يحتفظ بضحيته حيّاً حتى يخرج الخازوق من رقبته ليشعر بجميع الآلام الضرورية

و أفظع من ذلك أن تفقأ عيون الأسرى بالأسياخ المحمية في النار

مثل هؤلاء الجبارين هل من المفروض أن يقدم لهم الله حفلة شاي لأن الله محبة ؟

بل إن جهنم هي منتهى المحبة ما دامت لا توجد وسيلة غيرها لتعريف هؤلاء بأن هناك إلهاً عادلاً . و هي رحمة من حيث كونها تعريفاً و تعليماً لمن رفض أن يتعلم من جميع الكتب و الرسل , و للذين كذبوا حتى أوليات العقل و بداهات الإنسانية

أيكون عدلاً أن يقتل هتلر عشرين مليوناً في حرب عالمية .. يسلخ فيها عماله الأسرى و يعدمون الألوف منهم في غرف الغاز و يحرقونهم في المحارق .. ثم عند الهزيمة ينتحر هتلر هارباً و فارّاً من مواجهة نتيجة أعماله . إن العبث وحده و أن يكون العالم عبثاً في عبث هو الذي يمكن أن ينجي هذا القاتل الشامل من ذنبه

و لا شيء حولنا في هذا العالم المنضبط الجميل يدل على العبث .. و كل شيء من أكبر النجوم إلى أدق الذرات ينطق بالنظام و الضبط و الإحكام . و لا يكون الله محبة .. و لا يكون عادلاً .. إلا إذا وضع هذا الرجل في هاوية أعماله

أما كيفيات ا لعذاب بعد البعث فلا يمكن القطع فيها تفصيلاً لأن الآخرة كلها غيب .. و يمكن أن يكون ما ورد في الكتب المقدسة بهذا الشأن رموزاً و إشارات .. كما نقول للصبي الذي لم يدرك البلوغ حينما يسألنا عن اللذة الجنسية إنها مثل السكر أو العسل لأننا لا نجد في قاموس خبراته شيئاً غير ذلك .. ولأن تلك اللذة بالنسبة له غيب لا يمكن وصفه بكلمات من محصوله اللغوي فهي خبرة لم يجربها إطلاقاً , و بالمثل الجنة و الجحيم هي خبرات بالنسبة لنا غيب و لا يمكن وصفها بكلمات من قاموسنا الدنيوي .. و كل ما يمكن هو إيراد أوصاف على سبيل التقريب مثل النار أو الحدائق الغناء التي تجري من تحتها الأنهار .. أما ما سوف يحدث فهو شيء يفوق بكثير كل هذه الأوصاف التقريبية مما لم تره عين و لم يخطر على قلب بشر

و يمكن أن يقال دون خطأ إن جهنم هي المقام الأسفل بكل ما يستتبع ذلك المقام من عذاب حسي و معنوي .. و أن الجنة هي المقام الأعلى بكل ما يستتبع ذلك المقام من نعيم حسي و معنوي

و الصوفية يقولون إن جهنم هي مقام البعد (البعد عن الله) و الحجب عن الله .. والجنة هي مقام القرب بكل ما يتبع ذلك القرب من سعادة لا يمكن وصفها

و مَنْ كانَ في هَذِهِ أعمَْى فَهوَ في الآخرة أعْمى و أضَلُّ سبيلاً)) . و العمى هنا هو عمى البصيرة . إنها إذن أشبه بما نرى من درجات و مقامات و تفاوت بين أعمى و بصير . و مهتد و ضال . و لكن في الآخرة سوف يكون التفاوت عظيماً .

انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً)) (الإسراء – 21) لدرجة أن من سيكون في المقام الأسفل سيكون حاله حال من في النار و أسوأ .. إنه قانون التفاضل الذي يحكم الوجود كله دنيا و آخره ملكاً و ملكوتاً غيباً و شهوداً

لكل واحد رتبة و استحقاق و مقام و درجة .. و لا يستوي اثنان . و لا يكون الانتقال من درجة إلى درجة إلا مقابل جهد و عمل و اختبار و ابتلاء .. و من كان في الدنيا في أحط الدرجات من عمى البصيرة فسيكون حاله في الآخرة في أحط الدرجات أيضاً

و هذا عين العدل .. أن يوضع كل إنسان في مكانه و درجته و استحقاقه .. و هذا ما يحدث في الدنيا ظلماً و هو ما سوف يحدث في الآخرة عدلاً

و العذاب بهذا المعنى عدل

و الثواب عدل

و كلاهما من مقتضيات الضرورة

أن يكون الحديد الصلب غاية في الصلابة فيصنع منه الموتور . و يكون الكاوتشوك رخواً فتصنع منه العجلات . و يكون القش رخيصاً فتصنع منه رأس المكنسة . و أن يكون القطن الفاخر لصناعة الوسائد .. و القطن الرديء لتسليك البالوعات . و هذه بداهات و أوليات تقول بها الفطرة و المنطق السوي و لا تحتاج إلى تدبيج مقالات في الفلسفة و لا إلى رص حيثيات و مسببات

و لهذا كانت الأديان كلها مقولة فطرية .. لا تحتمل الجدل و لا تحتمل التكذيب .. و لهذا كانت حقيقة مطلقة تقبلها العقول السوية التي لم تفسدها لفلفات الفلسفة و السفسطة .. و التي احتفظت ببكارتها و نقاوتها و برئت من داء العناد و المكابرة . و لهذا يقول الصوفي إن الله لا يحتاج إلى دليل بل إن الله هو الدليل الذي يستدل به على كل شيء

هو الثابت الذي نعرف به المتغيرات

و هو الجوهر الذي ندرك به اختلاف الظواهر

و هو البرهان الذي ندرك به حكمة العالم الزائل

أما العقل الذي يطلب برهاناً على وجود الله فهو عقل فقد التعقل

فالنور يكشف لنا الأشياء و يدلنا عليها

و لا يمكن أن تكون الأشياء هي دليلنا على النور و إلا نكون قد قلبنا الأوضاع .. كمن يسير في ضوء النهار ثم يقول .. أين دليلك على أن الدنيا نهار .. أثبت لي بالبرهان . و من فقد سلامة الفطرة و بكارة القلب .. و لم يبق له إلا الجدل و تلافيف المنطق و علوم الكلام .. فقد فقدَ كل شيء و سوف يطول به المطاف .. و لن يصل أبداً . "

كنت نصرانيا..

فى هذا المقال نعرض تجربة يتعرض لها الكثير من الشباب المسيحى فى مجتمعاتنا الشرقية حينما يصطدم عقله مع النصرانية وفى نفس الوقت يقتنع تمام الإقتناع بالإسلام ولكنه يكابر ويعاند نفسه لإعلان ذلك لكم الكراهية والبغض للإسلام الذى توارثه من أبائه وأجداده

فيحدث هذا الصراع النفسى الرهيب وتكون النتيجة متوقفة على شجاعة وصلابة هذا الشخص سواء بتحدى الجميع وإعلانه الإسلام لإقتناعه الشديد بعدم جدوى المكابرة والعناد فى أهم إعتقاد فى الحياة أو لايصل لدرجة كافية من الشجاعة فى إعلان إسلامه فيلجأ عقله لإختيار حل آخر وهو إنكار كل الأديان والإلحاد متوهما أنه بذلك تخلص من هذا الصراع النفسى وإختيار إنكار الأديان لتكون ذريعة لنفسه الشريرة فى ممارسة كل ماهو شاذ وكل مانهت عنه الأديان

هذا بإختصار ماحدث تماما للأستاذ عبدالله سعد مؤلف كتاب ــ كنت نصرانيا ــ

الذى نحاول دراسة هذا الصراع النفسى الرهيب الذى مر به من خلال روايته التى يرويها ليلخص لنا هذه التجربة الصعبة من خلال مايرويه لنا فى كتابه



وفى البداية نحاول التعريف بالأستاذ عبدالله سعد

نشأ في أسرة مسيحية ملتزمة .. وبدأ حياته التعليمية في مدارس التبشير الأمريكية . وعلى إثر خلاف حدث بين والده وبين المدرسة نقله أبوه إلى أحد مدارس الأقصى وفيها بدأت صلته بالدين الإسلامي والسماع عنه .. بعد أن تغير الوسط المحيط به ليشمل مسلمين ومسيحيين معا .. بعد أن كان الوسط الذي يحيا فيه من المسيحيين فقط في مدارس التبشير

وتتلخص قصة هداية الكاتب ” عبد الله سعد ” إلى الإسلام في محاولته البحث عن الله سبحانه وتعالى .. في الديانات الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلام .

وقد نهج الكاتب في بحثه الجانب المنطقي والعقلاني البحت .. وانتهى منه إلى أن ” الله ” عز وجل لا يوجد بمعناه المنزه إلا في الدين الإسلامي . ولم يتعرض ـ عبد الله سعد ـ لكل ما هو أسطوري وخرافي .. بل اكتفى بالتحليل المنطقي لما ينبغي أن يكون عليه ” الله ” عز وجل من صفات وكمالات

واعتقد أنه لو عرف عبد الله سعد .. منذ بداية بحثه ـ عن الله ـ بالفكر الأسطوري والخرافي الوارد في الديانة المسيحية .. ما تكبد كل هذا العناء الذي بذله في الانتهاء إلى رفض اليهودية والمسيحية كديانتين سماويتين بشكلهما الحالي

وقد رأيت أن أعرض لقصة إسلام الكاتب ” عبد الله سعد ” ـ كذلك ـ لما فيها من رؤية شخصية وصراع نفسي عميق يمكن أن يكون صورة متكررة لكل من ترقى نفسه لاعتناق الدين الإسلامي بعد أن يتبين له الحق خصوصا وأن هذا الحق سهل المنال

وقد انتاب عبد الله سعد كثيرا من الهواجس النفسية العنيفة .. كما اجتاحته المعاناة النفسية الشديدة والتأرجح والتردد قبل أن يتخذ قراره النهائي باعتناق الإسلام . ويؤكد الكاتب على أن نشأة الطفل المسيحي تتسم ليس فقط بالخوف من الدين الإسلامي .. بل تتسم أيضا برفض وكراهية الإسلام . وبالتالي فإن الطفل المسيحي ينشأ على رفض الحوار على نحو قطعي مع المسلمين .. كما يكره الإنصات إليهم

ومن هذا المنظور لم يتوجه عبد الله سعد بقصته هذه إلى المسيحيين لعلمه المسبق بموقفهم من الإسلام .. ولكن توجه بقصته هذه إلى كل من يوفقه الله على الاطلاع عليها سواء كان من المسلمين أو المسيحيين . ولهـذا جاءت مقدمته في كتابه ” كنت نصرانيا .. “[3] على النحو التالي ..

ولم أر توجيه القصة لغير المسلمين أمرا مجديا إذ تكفي كلمة واحدة أو إشارة عابرة إلى أن القصة تتعلق بالإسلام كي يصد عنها المسيحيين إلا القليل النادر

لأن من عادتهم الإعراض عن كل شيء يتطرق إلى فضل الإسلام أو الحديث عنه إجمالا بسبب ما ورثوا من مخاصمة للدين الإسلامي بلا دليل ولا إثبات إلا من دعوى سمعوا بها من أسلافهم لا يسندها عقل ولا نقل ويعوزها كل دليل

ويرى ـ الكاتب عبد الله سعد ـ أن حزن المخالفين لمفارقته لهم .. هو من قبيل حزن إبليس على مفارقة من كان يوما أحد أوليائه . كما يؤكد على أن القائمين على التبشير بالديانة المسيحية يكذبون ويحتالون كي يستميلوا الآخرين إلى الديانة المسيحية بأساليب وضيعة لينتسب إليهم الناس . ويبين كيف يضيقون العيش على فقراء المسلمين في بعض بقاع الأرض ويسدون في وجوههم طرق الكسب ليضطروهم إلى اتباع ما يسمونه ظلما : ” المسيحية ” مقابل لقمة العيش ..!!! ويقارن هذا بين موقفهم .. وبين موقف الخليفة العادل عمر ابن الخطاب رضي الله عنه عندما وضع الجزية عن اليهودي العاجز وأمر له من بيت مال المسلمين بنفقة .. ليبين أن الإسلام هو الدين عند الله .. وأنه يكفل حرية الاعتقاد للذميين ويعاملهم بشهامة ونبل .

ويقول عبد الله سعد : [ لقد تعلمت من الإسلام حرية التفكير وأسس التفكير العقلي السليم وحرية الاختيار وهو يتفق في هذا مع الدكتور القس إكرام لمعي / مدير كلية اللاهوت الإنجيلية بالقاهرة . كما تعلمت أن اتخذ القرار الذي اقتنع به .. وأن أناقش نفسي فيما تفعل ولماذا تفعل ؟ لم أعد أقبل أن يكون عقلي مستسلما لما ألفت ولما ورثت دون اقتناع ص : 53

وبعد هذه المؤهلات الجديدة لم أعد مقتنع بالمسيحية وما فيها من الطلاسم والأسرار والتثليث .. و ” ابن الله ” و ” أم الله “ .. والاعتراف للخوري الكاهن أو القس بالذنوب .. وبلع الخبز المغموس في الخمر ليتحول إلى دم المسيح .. لمغفرتها . وإحراق الشموع أمام التماثيل التي نصبوها للمسيح وللعذراء أو الصليب .. وأشياء كثيرة يسمو العقل عن قبولها إلا أن يكون مكنونا بغشاوات من التعصب والتقليد الأعمى .

وإذا سأل سائل عن تلك الأمور جاء الجواب إما هذا سر لا يعلمه إلا الله .. وإما هذا رمز لكذا وكناية عن كذا .. وكذا ..!!! كما خوّل حق التحليل والتحريم إلى الكنيسة .. وهي في اعتقادهم أنها معصومة من الخطأ . وكيف تكون الكنيسة معصومة ؟

يقولون هذا سرّ عصمة الكنيسة . كما كان لا يجرؤ أحدنا على الشك في شيء أو مناقشته لئلا يتهم بالكفر .. فعلى المسيحي أن يتلقى كل ما يفرض عليه من معتقدات دون مناقشة أو وزنها بميزان العقل قبل تصديقها .

وفي المقابل .. نجد أن الإسلام دين مفتوح لجميع خلق الله . دين علني ليس فيه أسرار تكتم عن عامة الناس ولا حتى عن خصوم الإسلام . فقد كنت نصرانيا بين المسلمين لم أحس يوما ما .. أن هناك شيئا من الدين يمكن أن يكتم عن أي إنسان . لقد كان واضحا لي أن نظرة الإسلام للمسيحيين نظرة رأفة يرمقها القوي الواثق إلى الضعيف المغرر به . وبالعكس فموقف المسيحيين من المسلمين موقف الضعيف المهزوز الذي يخاف على عقيدته وكيانه من أي شيء . بل ويخشى حتى من القشة التي تهب بها الريح .. فيحسبها صاعقة نزلت عليه لأنه يدرك مدى ضعفه وإمكانية تقويض أساسه بسهولة ص : 45 . فكيف لا يخشى المسيحي من الإسلام العظيم الذي يمثل كل الخطر الحقيقي على باطله وفساد طويته ..؟!!! ]

الأحد، 23 نوفمبر 2008

دعوة للحوار...

إن المتابع للمقالات المنشورة على هذا الموقع كماهو الحال فى المواقع العلمانية الأخرى يمكنه بسهولة شديدة ملاحظة الكم الهائل من الهجوم وعدم تناول الإسلام بشيئ من العدل والإنصاف
فيكون المقال إما منقولا من أحد المواقع الأخرى أو ترديدا مشوها لشبهات تم الرد عليها وتفنيدها منذ مئات السنين , ولكن إعادة ترديد هذه الشبهات والتهم للإسلام لا يندرج تحت بند الحوار ولكن يمكن إعتباره إحياءا لمزيد من الفتن الطائفية , حيث أن تناول مثل هذه الموضوعات بسطحية وبتعمد عدم التحاور حول صحتها ومصداقيتها هو بالضبط مايهدف إليه دعاة الفتنة ودعاة التمزق والإنقسام
ويتساوى فى ذلك من يردد عن جهل أو من يردد ويثير هذه القضايا عن قصد فالنتيجة واحدة وهى مزيد من الإحتقان قد يصل بل من المؤكد أنه سيصل لنقطة اللارجعة حينما تنفلت كل الخيوط من أيدى هؤلاء اللاعبين بمقدرات شعوبنا العربية

فأنا أرى أن إثراء الحركة الثقافية والفكرية لا يتأتى بأحادية الفكر وإلا مامعنى كلمة حوار؟
ولكـــــــــــــــن ... ماهو الحوار؟
الحوار يكون فى الأساس بين فكرين مختلفين أو مجموعة أفكار مختلفة وذلك للوصول إلى حالة من التواصل والتفاعل بين هذه الأفكار لخلق مساحات أكبر من التقارب لسهولة طرح هذه الأفكار وإيجاد شريحة أكبر لنشرهذه الأفكار بالحجة والدليل وذلك بمخاطبة عقل ناضج يقبل الحوار مع الآخر مهما كان حجم الإختلاف الفكرى بين أطراف الحوار
وتأكيدا على ذلك فإن الجميع يتفق بأن ما أصاب هذا المجتمع العربى من أمراض مزمنة ناتج فى الأساس من أحادية الفكر وعدم تقبل الآخر وعدم إستيعاب الأفكار والأطروحات التى تختلف فى جوهرها عن فكر وإعتقاد هؤلاء الحكام اللذين إبتليت بهم هذه الأمة.والقارىء للتاريخ العربى يعلم جيدا بأن عصر النهضة العربية تميز بإختلاف الأفكار والإعتقادات والديانات بكافة أنواعها وتفريعاتها فى مختلف الأمصار العربية.لذلك أرى :إن ميثاق الشرف للكاتب أو الصحفى أو المعنى بنشر الثقافة على إختلاف أنواعها يجب أن يكون ميثاقا غير مكتوب ولكنه ينبع فى الأساس من قناعات ثابتة وأٌطر محددة يتفق عليها الجميع بضرورة إحترام الآخر وعدم إزدراؤه أو التهكم على معتقداته مهما كان شذوذ وغرابة هذه المعتقدات من وجهة نظرنا لأن هذا الإزدراء والسخرية من معتقدات الآخر تحوله تلقائيا وبدون أن يدرى لينضم إلى كتيبة أعداء حرية الرأى بل وقد يصل الأمر إلى تحوله من متلقى محايد إلى مهاجم بلا وعى يقف فى خندق المغيبين والداعين لرفض أى حوار مع من يختلفون معهم فى أفكارهم ومعتقداتهم
وتأكيدا على ضرورة وجود هذا الميثاق هو مانشاهده ونقرؤه يوميا سواء فى الصحف أو عبر وسائل الإعلام المختلفةفإن المتابع للحركة الثقافية يستطيع بكل سهولة ملاحظة كم المقالات والكتب وأيضا الأفلام السينمائية التى تتعرض بالسخرية من الذات الإلهيه بل والتطاول والتجرؤ على الله تعالى وكأنما تحول هذا التجرؤ إلى ميدان يتبارى فيه المهاجمون للأديان للوصول لمرتبة أعلى وشهرة أوسع أوصلت بعضهم لحد لا يقبله المدافعون عن حرية الرأى والتعبير أنفسهم وذلك لشذوذ هذه الأراء والرؤى التى تجاوزت كل الخطوط من أعراف ومسلمات إتفق عليها الجميع ولا علاقة لها بأديان بعينها فالأمر أصبح خارج نطاق الحرية الفكرية.وأنا هنا أهيب بكل من يحمل قلما حرا أن ينأى بنفسه عن هذا التبارى الغير مجدى على الإطلاق والذى سيؤدى بكل تأكيد إلى زيادة الهوة بين المختلفين فكريا لنصل فى النهاية لمزيد من الإختلاف والفرقة.فيجدر بأصحاب هذه الأقلام النزيهة البحث عن مواضع الإلتقاء لتقويتها وترسيخها وليس العكس ليصبح جوهر هذا الميثاق نابع من قول المولى عز وجل:ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ